محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحق الذي هم له كارهون ، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيح من التدبير والفاسد . فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحق ، لم تقر السماوات والأرض ومن فيهن من خلق الله ، لان ذلك قام بالحق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الصمد ، قال : ثنا شعبة ، قال : ثنا السدي ، عن أبي صالح : ولو اتبع الحق أهواءهم قال : الله . قال : ثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح : ولو اتبع الحق أهواءهم قال : الحق : هو الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : ولو اتبع الحق أهواءهم قال : الحق : الله . وقوله : بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون اختلف أهل التأويل في تأويل الذكر في هذا الموضع ، فقال بعضهم : هو بيان الحق لهم بما أنزل على رجل منهم من هذا القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : بل أتيناهم بذكرهم يقول : بينا لهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : بل أتيناهم بشرفهم وذلك أن هذا القرآن كان شرفا لهم ، لأنه نزل على رجل منهم ، فأعرضوا عنه وكفروا به . وقالوا : ذلك نظير قوله وإنه لذكر لك ولقومك وهذان القولان متقاربا المعنى . وذلك أن الله جل ثناؤه أنزل هذا القرآن بيانا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجة من أمر دينهم ، وهو مع ذلك ذكر لرسوله ( ص ) وقومه وشرف لهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ئ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) * .